Icon الرئيسية > المقالات > مجلة MemHT > الكاهن في واقعه الحياتي
Icon فديو
Thumbnail
Thumbnail
Thumbnail
الكاهن في واقعه الحياتي
التاريخ 23/06/2010 10:55  كاتب الموضوع allen  زوار 34  اللغة Global
بقلم: الاب فيليب هرمز الدومنيكي

تحديات اليوم للكاهن العراقي هي أصعب وأعقد بعشرات المرات مما كانت عليه في السبعينيات ولحد التسعينيات من القرن الماضي. المشكلة الأساسية هي سياسية وأمنية قبل كل شيء، لكن يتداخل فيها البعدين الإرث التاريخي للمسيحية في العراق من جهة، والعلاقة المعقدة ما بين الكاهن والعلمانيين من جهة أخرى.

هناك أنواع وأجيال من الكهنة يختلفون بحسب شخصياتهم ونوعية تربيتهم الكهنوتية وخبراتهم ونوعية علاقاتهم وقراءاتهم. يوجد كهنة مؤسسات وأبنية ويوجد كهنة حركات وعمل.

يحتاج الكهنة للنشاط والعمل، لأنهم يرون أن النظام هو ثمرة العدالة، ولاتوجد أهمية لكل الألقاب والكراسي بقدر ما توجد أهمية لعمل الجماعة وأهمية للحوار والمساءلة الذاتية أو الحياتية. لا بل هناك مساءلة حول كل شيء وبالخصوص ما تقوم به الخورنة من نشاطات ومواقف وعلاقات ومراسيم وتقاليد.

ربما وضع الآخرين في قفص الأتهام والمساءلة حول كل شيء هو تربية قامَ عليها الجيل الجديد بخلاف الجيل القديم. إن الكاهن المُساءل ليس بفوضوي ورافض للنظام، بل هو مع النظام وأوّل ما يعملهُ في المساءلة هو مساءلة نفسه حول عمله وعمل رسالته، ولهذا هو يكون أكثر قساوة ومطالبة من أخطائه الشخصية وأقل قساوة ومساءلة لأخطاء الآخرين.

فالحقيقة يجب أن تـُقال، هناك الكثير من التحديات التي يشعر فيها الكاهن بضعفه وضعف جهوزيته وأمكانياته : الوضع الحالي من العنف والصراع؛ مساءلة الأسلام للمسيحية؛ مجيء العولمة مع الحرب الأخير للعراق؛ العلمانية في العراق؛ الهجرة المسيحية وعدم أستقرار المسيحيين في مكانٍ معين؛ تعدد الأحزاب السياسية المسيحية وتنافرها بعض الشيء مع توجهات الكنيسة؛ وجود أبرشيات في العراق غنيّة بشهاداتها ورجالاتها وفقيرة جدًا من الناحية الأيمانية؛ عدم وجود أسس أو هيكلية للأهتمام بالكاهن ما بعد الرسامة، فعليه الأهتمام بذاته وتنشئته الدائمية، ألخ.

ولهذا يحاول الكهنة الخروج من مجتمع الكنيسة إلى المجتمع بوسعه. فهم يريدون الأنفتاح والخروج من بيت الأنا إلى بيت الآخر. والأنفتاح هنا ينطوي على مساءلة هوية الكنيسة والمؤمنين. فالأخذ والعطاء هم من صفات العالم الحالي وأساس أي مجتمع متحضّر. وكل مساءلة جديدة في الأنفتاح هي تقوية لعملية الأنتماء للكنيسة. إن أحتواء الأشياء الجديدة في العالم هو يُمثل قابلية التطوّر عند الإنسان وقابلية تجديد الهوية عند المؤمن.

يدخل هذا الحديث في صلب مناقشة يسوع حول السامري الصالح أو محبة القريب أو محبة الأعداء. هو كلام صعب لأن أنغلاق الأفآق والأفكار اليوم هو أكثر وأقوى من أنفتاحها وحوارها، لكن "بذار الروح القدس موجودة في العالم"، هكذا يقول المجمع الفاتيكاني الثاني، وهذا يؤثر جدًا على روحيتنا وعلى تفاؤلنا وعلى رجائنا وموقفنا من العالم.



- مبدأ " العمل الراعوي الشامل "

وهو يعني إرادة التنسيق والتنظيم لكل الجهود الرسولية في داخل كل أبرشية. ويأتي هذا الجهد من أجل رؤية الحقيقة وجهًا لوجه ومن أجل أشراك كل القوى الرسولية في العمل الراعوي الأبرشي. وهذا شيء جيد في حد ذاته، لأنه العمل الراعوي المتبعثر في الأبرشية يمكن أن يقود إلى بعض الفوضى في الرؤية الرسولية والراعوية والأيمانية في الأبرشية. فيمكن أن يكون كل عمل راعوي معزولاً عن الآخرين وله وجهة نظر خاصة به ولا يهتم بعمل الآخرين، وهذا يجعل القيادة صعبة لدفة سفينة الكنيسة في الأبرشية وذلك لأختلاف الشخصيات والأمزجة والأهداف في بعض الأحيان. فلا تكفي الأرادة الصالحة في عمل هذا أو هذا من الأعمال، بل أن يكون هناك تنسيق ورؤية واضحة ومحددة لعمل هذا الشيء أو ذاك في الأبرشية، مما يؤدي إلى تقليص الجهود المبذولة والمعزولة هنا وهنا وتكثيفها لتصب في مصلحة إعلان كلمة الله في الكنيسة والمجتمع. وكل هذا يتطلب أجتماعات تنسيقية ما بين الهيئات المختلفة للأبرشية، وما بين الكهنة والأسقف، وما بين العاملين في النشاطات المختلفة وما بين المجلس الخورني. سوف تساعد هذه اللقاءات على تقييم عمل الآخرين ووضعه ضمن إطار نشر الكلمة والهدف الرسولي الشمولي لكل العمل الرعائي في الأبرشية. الشفافية والوضوح والحوار يكمنان في أسس أبرشية ناحجة رسوليًا تجعل الآخرين وخصوصًا الكهنة والعلمانيين يشاركون ديمقراطيًا في عملية صنع القرار الكنسي بدون الشعور بالضغط أو الضعف أو المحاباة.

ويبدأ العمل الراعوي الشامل ببحث أجتماعي عن الأبرشية. يمكن التفكير بعدة نواحي بهذا البحث : عمل دراسة ميدانية عن المنطقة جغرافيًا وتاريخيًا، هل هناك أماكن قروية وأخرى مدنية؟، الممارسون التقليديون للطقوس وفي أي أزمنة، الذين لا يأتون إلا في الأعياد، الغير مهتمين لا بالمناسبات ولا بالكنيسة أو بممثليها، ألخ. بصورة أخرى هي محاولة تقسيم الأبرشية إلى جداول رقمية تساعدنا على تحديد وتحليل الكثير من الأشياء في حياة الأبرشية مما يساعد على تركيز الجهود على هذا القطاع أو ذاك أو هذا الجانب أو ذاك. ويمكن أن ننشر هذا التحليل داخل مؤتمر يعقد للأبرشية ما بين الأسقف والكهنة والرهبان والراهبات والعلمانيين المشاركين في نشاطاتها. وفي المؤتمر يمكننا من أن نفكر في كيفية أيجاد الحلول لهذا الحالة أو تلك المشكلة أو الوضع المعين الراكن في هذه المنطقة أو تلك. لأن العمل الأبرشي أو الخورني يحتاج في مرات كثيرة إلى صبر ونفس طويل لأن البذار المزروعة تحتاج إلى وقت وعوامل أخرى كي تنمو، مثل البعد الروحي والتصوفي والرسولي، بينما نضعها نحن في المؤتمر في خانة الفاعلية والديناميكية ذوات النتائج المباشرة. بيد أن هذا البحث الأجتماعي يمكنه أن يعيد إلى الأعتبار عمل كاهنٍ ما في منطقة نائية ويضعه من جديد في مقياس العمل الأنجيلي والرسولي الموجود في الأبرشية، وهذا يخرج الكثيرين من عزلتهم الحياتية والرسولية ليضعوها من جديد في خدمة هدف شامل وواضح ومحدد.



- أسلوب جديد للكهنة

لا يطرح كهنة اليوم سوأل كيف هي الكنيسة بحجارتها وقاعاتها ومعالمها، بل يطرحون السوأل عن الكنيسة الحيّة الموجودة ما وراء جدران الكنيسة العادية. فلا يهم أمتلاء الكنائس بالناس بقدر ما يهم كيفية الوصول إلى بقية الناس الغير موجودين في الكنيسة والذين هم أكثر بكثير من البقية الموجودة.

ولهذا السبب، يشعر الكهنة بضرورة العمل والبحث عن مناسبات وأحداث كيفية اللقاء بالناس من كل الأطراف في خارج نطاق الكنيسة الضيق. هنا تكمن صلاة البعض في البحث عن إرادة الله في حياتهم من خلال اللقاء بأناس لا يؤمنون بالله أو بالكنيسة أو لا أباليين أو بعيدين عن الله بسبب قساوة الحياة وشظف العيش. من هنا جاءت فكرة عمل نشاطات "دنيوية" للقاء ما هو خارج الكنيسة.

نريد القول بذلك بأن الكاهن يمكنه من توسيع أفآق عالمه وعالم الله والكنيسة من خلال أتصالاته وتفننه في خلق المناسبات والفرص والأحداث للقاء كل من هو خارج إطار يسوع المسيح. بمعنى آخر، الكاهن مدعو لـ "للأصغاء لعجائب الله في العالم"، أي أن يخدم ويجمع في هذا الأصغاء كل الأناس الذين يشاركون في هذه العجائب والذين لديهم قيم العدالة والأخوة والأستقامة كأساس لأي حوار ما بين البشر.

وعندما نقول "إصغاء"، نقصد به هذه الإرادة الموجودة عندنا للأنطلاق من مما هو واقعي في حياتنا. وهو يوازي هذا الأنتباه للعالم وللنظرة الواضحة عليه وعلى أناسه. وكي ننطلق إلى عمق الإصغاء، علينا ربطه بـ "الأندهاش" أو "الأعجوبة". فكل العمق والتواضع في الإصغاء ينطلق من الأعجاب بعمل الله في العالم وبكل إنسان مهما تكون هويته. إن الأندهاش هي قابلية لاهوتية مثلما هي قابلية طفولية على رؤية العالم والآخرين بشكلٍّ متجدد وعميق ومفرح وكأننا نراه للمرة الأولى. إن الذي يخسر هذه النظرة وهذا الأندهاش يخسر ما هو خلاّق في حياته ودعوته وأمانته للرسالة التي دُعيَ إليها.
ليس هناك تعليقات .
Copyright © 2009 Marqardakh.com